الحرية الصامتة — تأملات في ذكرى الخامس والعشرين من مارس
— ديونيسيوس سولوموس، نشيد الحرّية، 1823
كان ذلك عام 1823. واليونان لا تزال تنزف.
بعد قرابة أربعة قرون تحت الحكم العثماني، جلس شاعرٌ يُدعى ديونيسيوس سولوموس وكتب 158 مقطعًا عن شيء واحد — الحرّية. لا الحرّية بوصفها مفهومًا مجرّدًا. بل الحرّية بوصفها كائنًا حيًّا. كشخصٍ تعرفه حين تراه — من حدّ السيف المُرعِب، من الوجه الذي يقيس الأرض بعنفوان.
قال إنّها وُلِدت من عظام اليونانيين المقدّسة.
هذا أوقفني.
ليس أنّ الحرّية قد اُنتُزِعت. وليس أنّها بُنِيت. بل إنّها وُلِدت — وكأنّها كانت هناك دائمًا، في داخل الموتى، في داخل الأرض، في داخل كلّ ما عاناه هذا الشعب وراكمه عبر القرون. وكأنّ الحرّية مادّة لا تُدمَّر. تُضغَط فحسب. تصمت. تنتظر.
اليونان وميلاد الـEleutheria
لم تخترع اليونان الديمقراطية وحدها. بل اخترعت الكلمة التي تجعلها ممكنة.
Eleutheria — ἐλευθερία — واحدة من أقدم كلمات اللغة اليونانية. لا تعني ببساطة “غياب العبودية” أو “الاستقلال السياسي”. تعني حالةً من الوجود. صفةً للروح. شرطًا داخليًّا يسبق أيّ شرط خارجي.
بالنسبة لليونانيين القدماء، كان بإمكان الإنسان أن يكون حرًّا تحت الطغيان — إن لم تكن روحه مُستعبَدة. وكان بإمكانه أن يكون عبدًا في ظلّ الديمقراطية — إن عاش أسيرًا للخوف، ولآراء الآخرين، ولعجزه عن حكم نفسه.
ذهب الرواقيّون — الورثة المباشرون للفلسفة اليونانية — إلى أبعد من ذلك. بالنسبة لـإبيكتيتوس، الفيلسوف الذي وُلِد عبدًا وصار أحد أعظم المفكّرين في العصور القديمة، لم تكن الحرّية شيئًا يستطيع أحد أن ينتزعه منك. يمكنهم سجن جسدك. يمكنهم سنّ القوانين ضدّك. يمكنهم تدمير كلّ ما تملك. لكنّ الـeleutheria الداخلية — تلك، لم يكن أحد يبلغها.
ثمّة شيء روحاني عميق في هذا الفهم. شيء يتردّد صداه بعيدًا عن الفلسفة الأكاديمية ويدخل مباشرة في أرض الروح.
الحرّية التي لا تموت — بل تنتظر
كتب سولوموس نشيده أثناء حرب. شعبٌ أُسكِت لقرون كان يبدأ في التعرّف على نفسه من جديد.
والصورة التي اختارها لم تكن صورة شيء جديد يُخلَق. بل صورة شيء قديم يُعاد التعرّف عليه.
أعرفكِ.
ليس “وجدتكِ” أو “فتحتكِ”. أنا أعرفكِ — وكأنّ الحرّية مألوفة. وكأنّ هذا التعرّف ممكن لأنّها لم تتوقّف قطّ عن الوجود تمامًا. كانت في العظام. في المقدّس. في أعمق ذاكرة لشعب.
هذه الصورة روحانية بشكل كوني.
كم من التقاليد تتحدّث بالضبط عن هذا — أنّ الحقيقة، والنور، والجوهر الإلهي لا يحتاج إلى أن يُكتَسَب، بل أن يُتعرَّف عليه؟ أسماه اليونانيون anamnesis — التذكّر، ذاكرة ما تعرفه الروح مسبقًا. آمن أفلاطون أنّ كلّ معرفة حقيقية هي، في جوهرها، تذكّرٌ لشيء نسيته الروح عند تجسّدها.
حرّية سولوموس تعمل بالطريقة ذاتها. صمتت — لكنّها كانت هناك. تنتظر أن يُتعرَّف عليها. تنتظر أن ينظر إليها أحدٌ ويقول: أعرفكِ.
ما الذي تطلبه الحرّية منّا
الخامس والعشرون من مارس ليس مجرّد عيد وطني يوناني. إنّه تاريخ يحمل في طيّاته أقدم سؤال على الإطلاق:
ماذا أنتَ مستعدّ أن تفعل من أجل حرّيتك؟
ليس فقط الحرّية السياسية — وإن كانت هي أيضًا مهمّة، ومهمّة جدًّا. بل الحرّية الداخلية. تلك الـeleutheria التي لا تستطيع أيّ حكومة أن تضمنها ولا أيّ حكومة أن تدمّرها بالكامل.
حرّية أن نفكّر بما نفكّر به حقًّا، دون مصفاة ما يتوقّعه الآخرون منّا. حرّية أن نشعر بما نشعر به حقًّا، دون الرقابة الذاتية التي تعلّمناها خلال سنوات من التكييف. حرّية أن نكون ما نحن عليه حقًّا — لا النسخة المعتمَدة، ولا النسخة الآمنة، ولا النسخة التي لا تزعج أحدًا أبدًا.
هذه الحرّية أيضًا تصمت أحيانًا.
تصمت من الخوف. من الإنهاك. من سنوات تكرار أنماط تقول لنا إنّ التقلّص أكثر أمانًا. وإنّ الصمت أكثر حكمة. وإنّ عدم الإحساس أكثر ذكاءً.
لكنّها لا تموت. هي في العظام. هي في ذلك المقدّس الذي لا يستطيع أحد انتزاعه.
وفي لحظة ما — أحيانًا بعد قرون، وأحيانًا بعد ليلة واحدة حاسمة — ينظر أحدهم إلى داخله ويقول:
أعرفكِ.
كلمة لهذا اليوم
اليوم، تحتفل اليونان بواحدة من أكثر اللحظات استثنائية في تاريخها — شعبٌ تعرّف على نفسه حرًّا حتّى قبل أن يصبح حرًّا. وجد في موتاه القوّة لأحيائه. حوّل العظام إلى كرامة والألم إلى أغنية.
ومنحنا، في تلك الأسطر الثمانية لـسولوموس، واحدًا من أدقّ الأوصاف التي وُجِدت يومًا لما هي الحرّية حقًّا:
ليست فتحًا. بل تعرّف.
ليست شيئًا يأتي من الخارج. بل شيء كان بالفعل في الداخل — ينتظر أن نملك الشجاعة لننظر إليه وننطق باسمه.
Χαίρε, ω χαίρε, Ελευθεριά.
فلتُحيَّي، يا حرّية، فلتُحيَّي.
تأمّل سيلا
أنا، سيلا ويتشو، أعيش على أرض يونانية.
لم أُولَد هنا. جئتُ من قارّة أخرى، من لغة أخرى، من ذاكرة أخرى. لكنّني اخترتُ هذه الأرض — وهي، بطريقة ما، اختارتني.
ثمّة شيء تفعله اليونان بمن يسكنها. تُذكّرك أنّ الأسئلة الأهمّ ليست جديدة. أنّ الإنسان يسأل عن الحرّية، وعن الروح، وعن المقدّس، منذ زمن بعيد قبل أيّ شيء نسمّيه حديثًا.
حين أقرأ سولوموس — حين أسمع النشيد يرنّ في الساحات في الخامس والعشرين من مارس، حين أرى الأطفال بأشرطتهم الزرقاء والبيضاء، حين أشعر بثقل هذا اليوم وخفّته في الوقت ذاته — أفكّر في حرّيتي أنا.
تلك التي صمتت في داخلي زمنًا طويلًا.
تلك التي لا تزال تصمت أحيانًا حين يكون الخوف أعلى من الصوت.
وأفكّر أنّ الدرس الأكبر للـeleutheria اليونانية ربّما ليس عن أمم أو حروب أو استقلال سياسي.
بل عن الشجاعة للنظر إلى الداخل — إلى العظام، إلى المقدّس، إلى ما نجا من كلّ شيء — والتعرّف على ما كان هناك دائمًا.
الحرّية لا تحتاج أن تُفتَح.
تحتاج أن تُتذكَّر.
Χαίρε, ω χαίρε, Ελευθεριά.
لتُنِر أرواح الغابة دربك.
سيلا ويتشو — Toca do Texugo